رسالة من غزة
الفصل ١
يلا بينا نروح علي غزه وأهلها و ناسها الطيبين في دار قديمة كانت بارود الحرب شديده
قعدت فاطمة وسندت ضهرها على حيطة مالت وما وقعت كأنها مستنية أمر الله والتراب عفر شعرها الأشقر للي واصل لآخر ضهرها كان بيلمع تحت الشمس واليوم صار لونه بلون الرماد والحزن
فاطمة للي كانت عيونها زي حبات الزيتون الأخضر للي طالع من شجر البلاد انطفت فيهن اللمعة وبقت تطلع في الفراغ مابتشوف غير سواد كأنه ليل ماله آخر ولا فجر بيطل عليه
صرخة مكتومة بصدرها وحرقة بقلبها وهي بتتحسس وجهها للي تملى شظايا ناعمة خلت النور يهاجر من عيونها بلا رجعة وفجأة وسط صوت القصف للي بيهز الأرض هز
دخل أخوها محمد وهو ينهج وصدره بيعلو ويهبط من الخوف والقهر
مسك إيدها للي بترتجف وصار يمسح الدم عن جبينها بطرف كوفيته ويربط عيونها بشاش أبيض وهو بيوشوشها بصوت مخنوق يا خيتي اسمعيني زين مضلش وقت الدار رح تقع فوق روسنا واليهود مابيرحموا شجر ولا حجر لازم تطلعي من هون هالحين يا فاطمة لازم تروحي لطريق النجاة للي حفرناه بدمنا تحت الأرض
فاطمة كانت بتسمع وصوت الانفجارات بيصم آذانها لكن صوت محمد كان بيخترق روحها سألته بمرارة وصوت بيقطع القلب وين أروح يا محمد وأنا صرت ضريرة وين أروح والدنيا سودة بوجهي مابشوف كعوب رجلي كيف بدي أمشي في بلاد غريبة وأنا مالي غيرك بهالدنيا
محمد ضغط على إيدها بقوة وقالها إنتي قوية يا فاطمة والرب مابينسى حدا والنفق هاد هو بابك للحياة والشيخ سالم ناطرك هناك هو الأمان وهو السند شدي حيلك يا خيتي وقومي معي قبل ما يغدرنا سقف الدار ونصير خبر كان
فاطمة قامت وهي تترنح والوجع بياكل عيونها لكن كرامة بنت غزة كانت واقفة بداخلها زي الجبل ومحمد بيسحبها لفتحة النفق المتدارية وسحبها لفتحة النفق المتدارية تحت ركام المطبخ ودفعها لجوا وهو بيقول انزلي يا فاطمة هاد النفق هو طريقك للحياة امشي وما تخافي الحيطان بتدلك بس توصلي لآخره قولي بدي الشيخ سالم
محمد كان بيمسح عرق جبينه الممزوج بدم الشظايا للي مالي وجهه وقلبه بيتقطع وهو بيشوف أخته الفاتنة للي كانت بتنور الدار بضحكتها وهي هالحين مكسورة وضريرة والظلام سكن عيونها قبل ما يسكن النفق
فاطمة كانت بتصرخ بصوت مكتوم وهي بتتحسس فتحة الأرض الباردة وبتقول يا محمد لا تتركني أنا بخاف اني أكون لحالي الله يخليك خليني موت معاكم وإنت عارف إن عيوني ما عادت تدلني على طريقي كيف بدي أمشي ببطن الأرض وأنا مالي ونيس ولا دليل
محمد نزل لمستواها وضم راسها لصدره بقوة وهو بيشم ريحة شعرها للي اختلطت بريحة بارود القصف وقال يا خيتي استودعتك عند للي عينه ما تنام هاد النفق هو المهرب الوحيد من فوق الأرض الموت ومن تحتها الحياة
بإذن الله إمشي دغري ولا تلتفتي وراكي مشان ما تتوهي الحيطان رح تكون هي دليلك المسيهم بإيديكي يا فاطمة وعدي خطواتك والرب رح يبعتلك ملك من ملوكه يلقاكي في آخر الطريق
محمد حط في حضنها لفة صغيرة فيها غراضها ووصية مكتوبة بدم قلبه وقالها يا فاطمة بس توصلي لاخر النفق أو تسمعي صوت زلمه لا تخافي ارفعي راسك وقولي أنا أمانة محمد الغزاوي عند الشيخ سالم ابن الشيخ عصام هو بدوي أصيل مابيرد محتاج وصاحبي للي ما خان العهد يوم
فاطمة نزلت في جوف النفق بقلب يرتجف وجسم بيقشعر من برودة الأرض ورطوبتها وهي بتسمع صوت أخوها بيبعد ويقول روحي يا خيتي والقلب داعيلك غزة ضاقت علينا يا فاطمة بس أرض الله واسعة النفق كان ضيق في بدايته وصدر فاطمة كان بيضيق معه وكل ما تمشي خطوة تحس إن الأرض بتبلع وجعها وصوت القصف فوق راسها صار يوصلها زي دقات طبل بعيد بتهز كيانها كانت بتمشي وإيدها اليمين على الحيط الطيني المبلول
وإيدها الشمال ماسكة طرف ثوبها وبتمسح دموعها للي مابطلت تنزل من تحت الشاش وهي بتنادي يا محمد يا خوي ياريتني ضليت و متت معك ولا سلكت هالطريق لحالي بس تتذكر كلامه عن الشيخ سالم وإن النور رح يرجع لعيونها تشد حيلها وتمشي خطواتها كانت تقيلة كأنها شايلة جبال غزة فوق كتافها والظلام للي بعيونها
صار يتحد مع ظلام النفق لين ما عادت تفرق بينهم غير برودة الهوا للي بيضرب بوجها كل ما قدمت لقدام كانت بتفكر ببيتها للي راح وبأهلها للي تفرقوا وبشعرها للي كان يطير مع هوا البحر وهالحين غرقان بتراب الأرض فاطمة كانت بتقول بقلبها يارب أنا ضعيفة وقوتك أكبر من الكل يارب دلني على الطريق ولا تكسر بخاطر أخوي للي ضحى بحاله اولاده ومراته عشاني
كل خطوة كانت حكاية وكل لمسة للحيط كانت غصة بوسط قلبها النفق صار يوسع ويضيق وفاطمة مابتعرف هي مشيت ساعة ولا يوم بس الحزن للي بقلبها كان كفيل يخلي العمر كله يمر بلحظة وحدة كانت بتفتكر ريحة الطبخ وضحكات ولاد أخوها وصوت الأذان في مساجد غزة وهالحين مابطلت تسمع غير صوت نفسها العالي وصوت المي للي بتنقط من سقف النفق كأنها الأرض بتبكي على حالها
فضلت فاطمة أربع أيام تمشي من غير راحه لو للحظه بتسحل رجليها سحل وسط نفق ضيق كأنه قبر طويل ملوش نهاية كانت ايدها اليمين مازالت بتتحسس الحيطان الرطبة اللي اتملى غبرة ودموعها نازلة من تحت الشاش الأبيض للي اتصل اللي كان لافه اخوها محمد على عيونها بعد ما الشظايا سرقت منها الضي وصارت الدنيا في عينها ليل ملوش آخر
صرخت بوجع مكتوم وهي بتتعثر في حجرة بارزة يا ربي دخيلك يا ربي ثبتني اخوي قالي ضلك ماشية دغري يا فاطمة لا تميلي ولا توقفي النفق هاد هو طريق نجاكي الوحيد كانت بتسمع أصوات انفجارات بعيدة بتهز الأرض من فوقها وكأن النفق بيبلع صرخات أهل غزة ويخبيها في حضنه البارد
كملت مشي وهي بتلهث وصوت نفسها هو الونيس الوحيد ليها في الظلمة الدامسة وهي بتفتكر نظرة اخوها الأخيرة لما باس راسها وقالها يا خيتي انتي رايحة عند رجال بيعرفوا قيمة الأمانة سالم ولد الشيخ عصام ما راح يتركك ضلك ماشية يا فاطمة لحد ما توصلي لآخره نفق
**********
على الجانب التاني من النفق وفي قلب الصحراء السيناوية الواسعة وين ريحة الهيل بتمتزج بريحة النار وشجر الغضا كان سالم قاعد في ركن خيمته الكبيرة وبيده دلة القهوة بيقلبها وعيونه صقر بتراقب خيال النار ملامحه كانت حادة ومرسومة بهيبة الشيوخ وعمره اللي وصل للخمسة وتلاتين زاده وقار وحكمة وسامة بدوية أصيلة بتخلي القلوب ترجف له هيبة بتسكت الكل لما يتكلم
فجأة دخل عليه الحارس وهو بيلهث وشكله مخطوف يا شيخ سالم يا شيخ سالم الحقنا فيه حركة غريبة بالنفق السري الكشافات جابت خيال حرمة ماشية لحالها ورافضة حد يقرب منها وعمالة تصرخ وتقول بدي سالم ولد الشيخ عصام
سالم فز من مكانه والقهوة اندلقت على الأرض وعيونه برقت بشرر ونطق بصوته الجهوري البدوي حرمة وبالنفق ولحاها الحين يا ناصر هات الكشاف والحقني هذي أكيد جاية من صوب غزة وعلمها عند ربي
نزل سالم لفتحة النفق السرية اللي مخباه تحت صخرة كبيرة بوسط الخيمة نزل الدرج بخطوات سريعة وقلبه بيدق دقات غريبة أول مرة يحس بيها وجه كشافه القوي لعمق النفق وشاف المنظر اللي خلى أنفاسه تقف بنت شاف فاتنه بجسد يرتجف متل الغصن شعرها الأشقر طالع من تحت الشال ومنثور على كتافها كأنه خيوط شمس ضايعة في العتمة ووجها أبيض
شاحب متل القمر ليلة كماله بس الشاش اللي على عيونها كان بيحكي قصة وجع بكت سالم نفسه وقف سالم بعيد عنها بشوية وقال بصوت فيه بحة حنين وهيبة يا هلالا يا بنت العرب اهدي ولا تخافين انتي الحين في ذمة سالم ولد الشيخ عصام علامك يا بنيتي وش اللي حدك على هالدرب الوعر في هالليلة الغبرا
فاطمة أول ما سمعت صوت الرجولة والهيبة وقفت مكانها وبدأت ترجف أكتر ودموعها نزلت من تحت الشاش بللت خدودها وقالت بصوت فلسطيني غزاوي مخنوق بالوجع انت الشيخ سالم بجد انت للي اخوي محمد حكالي عنك وقالي انك زلمة وبتعرف ربي انت للي بتبعتولنا الطحين والدوا يا شيخ سالم رد عليا أنا مش شايفة اشي الدنيا سودة بعيني سالم قرب منها بخطوات هادية كأنه بيقرب من غزال
مجروح ومد ايده بس ما لمسها احتراما لضعفها ولانه حرام وقال اي نعم أنا سالم يا بنت الأجواد وأبشري بالخلف وبالأمان والله ما يمسك سوء أبدا لاتخافين وأنا ولد عصام قوليلي يا خيتي محمد الغزواي وش حاله وعلامك جيتي
بهالوضع فاطمة مدت ايدها المرتجفة بظرف ورقي مخبى في صدر توبها كان عليه بقع طين ودم ناشف وقالت بصرخة مكتومة اخوي محمد قالي اعطيك هادي الرسالة وقالي اني امانة برقبتك ليوم الدين يا شيخ سالم اخوي ودعني وقالي يمكن ما نلتقي تاني ورمى حالههو اولادو ومراته ضاعوا هنيك في نار الحرب عشان أنا أعيش وأوصل لعندك
سالم أخد الرسالة بيده اللي بتعرف تشيل السيف وتداوي الجرح في نفس الوقت فتحها تحت نور الكشاف وقرأ كلمات رفيقه وصديقه محمد اللي كانت بتنزف وفاء
( يا سالم يا خوي يا سندنا في الشدة هادي اختي فاطمة قطعة من روحي انحرقت عيونها بشظايا الغدر في غزة وبالله عليك يا خوي لا ترجعها لينا مرة تانية الدنيا عندنا صارت موت وخراب وهي مالها غير الله ثم أنت خذها أمانة عندك وعالج عيونك بعلمك اللي درسته واتجوزها واستر عليها واجعلها سعيدة يا ولد الأصول ومهرها عندي هو صمودنا في الأرض دي أمانة ليوم الدين يا سالم ) سالم قفل الرسالة وهو بيحس بتقل الجبال على كتافه من كلام صاحبه للي وجعها عن حال غزه للي وجع قلوب كل العراب وبص لفاطمة اللي كانت واقفة بتسمع أنفاسه ومنتظرة حكم القدر سكت لحظة
والريح بره الخيمة بدأت تعوي كأنها بتشاركهم الوجع ونطق سالم بعهد غليظ يا فاطمة اسمعيني زين وعلمي من هالحين انتي مانك بس ضيفة انتي غديتي راعيتي ومسؤوليات وهتكوني إن شاء الله وصيتي من رسول الله وأمانه خيك
يسألني عليها يون الدين راح تصيري حرم سالم ولد الشيخ عصام عيونك هذي اللي انطفت بالظلم أنا بإذن الله أولا بفضله راح أرد لها النور وأعلاج عيون
وعلمي اللي درسته في الطب ما راح يضيع هدر وأنا اللي بحميكي من الإنس والجن وما عاش اللي يخلي دمعة تنزل من عينك وأنا حي يرزق
فاطمة شهقت بالبكا وهي بتحس بدفا صوته اللي طمن قلبها المرعوب وقالت بكسرة بس أنا يا شيخ عمياء ما بشوف ومالي حد غير ربي واخوي اللي سيبته ورايا كيف راح أكون حمل عليك وأنا بهالوضع
سالم قرب خطوة كمان وصار قريب منها لدرجة انها شمت ريحة العود والبخور اللي في توبه وقال بصوت واثق ومزهول بجمالها اللي سحره من أول نظرة رغم الشاش للي مخبي جمال عيونها
( لسه يا شيخ اهدي شويه هتقع لشوشتك لما تشوف عيونها احمممم )
الخبل للي يقول انك حمل يا بنت غزة عيونك من هالحين ما حد يلمس هالشاش ولا يكشف عيونك غيري أنا دكتورك وأنا سندك وأنا اللي راح أرسم الضحكة على وجهك من جديد يالله يا بوي هاتي يدك ولا تخافين الدرب قدامنا طويل بس أخره نور يملي قلبك قبل عينك
مسكت فاطمة طرف كمه بصوابع مرتجفة وكأنها بتمسك في طوق نجاة وسط بحر هايج وسالم مشي قدامها ببطء وهو بيفتح لها سكة في العتمة........
