رسالة من غزة - الفصل الخامس

 


رسالة من غزة


الفصل
٥

الليل في ديار البدو كان ساكن وهادي إلا من صوت النار اللي بتطقطق في الموقد وسالم قاعد في غرفته الخاصة وعيونه جمر بتراقب شاشة الجهاز السري اللي بينبض بإشارة حمراء فجأة ظهرت رسالة مشفرة من الثعلب المصري في قلب غزة سالم بدأ يفك الشفرة بتركيز طبيب وهيبة شيخ


وقرأ الكلمات اللي خلت الدم يغلي في عروقه يا سالم الأمانة اللي عندك في خطر الضابط الصهيوني أرييل اللي حاول يخطف فاطمة زمان وعجز أخوها محمد عن رده غير بالرصاص لسه عايش وهو شخص مجنون وعمليات البحث عنها زادت ووصلنا خبر أكيد إنه هينزل مصر وكل البلاد اللي حولها عشان يوصلها وبأي ثمن احميها يا ولد الشيخ عصام 


سالم قبض ايده بقوة على الطاولة لدرجة ان الخشب كاد ينكسر ونار الغيرة شبت في صدره كأنها بركان انفجر وهمس بصوت بدوي مرعب ورايح فيها الهوس والله لو انطبقت السما على الأرض ما يطول ظلك يا فاطمة وأنا في صدري نفس يتردد


​قام سالم من مكانه وراح لغرفة فاطمة دخل بهدوء كأنه نسمة هوا وشافها نايمة وملامحها هادية متل الملاك عيونها مغمضه قعد بجنبها على طرف السرير وبدأ يلمس خصلات شعرها الأشقر اللي منثورة على المخدة وهو يتنهد تنهيدة حارة طلعت من أعماق قلبه وبدأ يهمس بصوت واطي ومبحوح من كتر العشق يا فاطمة لو تدرين وش سويتي


بقلب البدوي اللي ما كان يعرف غير الخيل والسيف أنتي سكنتي العصب والروح يا بنت غزة وعلمي وراك علم إني غديت مهووس فيكي وفي جمالك اللي خلى القريب والبعيد يجنون كيف أسمح لداشر صهيوني يفكر بس بخيالك وأنا سالم ولد عصام والله يا فاطمة إني أحبك حب ماله نهاية وأني أعشقك عشق يدوب الصخر وما أبي من هالدنيا غير إنك تكوني حلالي وملكي وما حد يشاركني فيكي حتى الهوا اللي تتنفسيه


​فاطمة في اللحظة دي كانت صاحية وبتسمع كل كلمة بيقولها ودموعها بدأت تنزل بصمت وتحرق خدودها قلبه كان بيدق بجنون وهي بتسمع اعترافه اللي زلزل كيانها سالم حس برعشة جسمها وعرف إنها صاحية فاطمة فتحت جفونها وهي بتبكي وقالت بصوت غزاوي مكسور بس فيه كرامة يا شيخ سالم بكفي وجع الله يخليك ليش بتحكي


هيك وليش بدك تربط حالك بواحدة عمياء متلي؟ أنا واحدة مطفية عيونها ومش شايفة الضو ليش تظلم شبابك واسمك وتتجوزني شفقة وعطف؟ أنا ما بقبل أكون زوجة بالاسم عشان الحماية بس أنا كرامتي أغلى من عيوني وما بدي إياك تندم بيوم إنك اتجوزت واحدة مكسورة الجناح مثلي


​سالم أول ما سمع كلمة شفقة جن جنونه وقرب منها بلمح البصر ومسك وجهها بإيديه بقوة وتملك وعيونه فيها بريق من الهوس والجنون البدوي وقال بصوت حار يذوب الحجر وش تقولين يا فاطمة؟ شفقة؟ والله العظيم إن الشفقة ما عرفت لدرب قلبي طريق من يوم ما شفتك أنتي ما تدرين


إنك غديتي هوسي وعقلي وقلبي اللي أنبض به؟ أنتي ما تدرين إن عيوني ما عادت تشوف غيرك؟ أنا ما أعشقك عطف أنا أعشقك لأنك أنتي فاطمة اللي سحرت صقر البادية وهدت كل حصونه وفجأة ومن غير مقدمات سحبها لحضنه وقبلها من شفايفها بلهفة وجنون وانحراف وشوق خلى أنفاسها تنقطع قبلة كانت بتحكي عن نار الغيرة والشوق اللي محبوسة في صدره من شهور


​بعد عنها ببطء وهو بيلهث وعيونه مثبتة في عيونها الزيتونية وقال بنبرة بدوية حازمة ومستبدة بحب راح تصير مراتي وحلالي حتى لو غصب عنك يا فاطمة لأنك بقيتي حلالي من وقت ما شفتك لأول مرة في النفق وأنتي طالعة من وسط الموت أنتي بقيتي ملكي يا بنت غزة وعلمي وراك علم زواجنا راح يكون الليلة والستر ماله تمن والغيرة اللي بصدري ما يطفيها إلا لما تكوني في ذمتي وأقفل عليكي أبواب قلبي وقصري وما عاش اللي يفكر بس يلمح خيالك وأنا حي يرزق وفاطمة كانت رقده مذهولة ومرتعشة من قوة مشاعره ومن طعم قبلته اللي سكرت روحها وعقلها واستسلمت لقدرها اللي ارتبط بقلب البدوي المهووس بجمالها


بعد يومين القصر كان مقلوب والحركة ما تهدى والكل شغال على نار عشان تحضيرات الزفاف اللي سالم أصر يكون بأسرع وقت وسالم كان قاعد بجنب فاطمة في الجناح الملكي وماسك إيدها بحنان ويحكي لها عن كل صغيرة وكبيرة في القصر عشان يثبت لها إن كونه "ضريرة" ما يغير من عشقه لروحها ذرة نطق سالم بصوته البدوي الرزين يا فاطمة أبيكِ أنتي تختارين كل شي يخص ليلتنا هذي مابيكِ تحسين إنك غريبة أنتي راعية البيت وأنا عيونك اللي تشوفين بها شوفي يا بعد روحي الغرفة راح تكتسي بالحرير الأبيض والسجاد البدوي الأحمر والمبخرة ما راح تطفى بريحة العود والمسك وفاطمة كانت بتسمع بصمت وابتسامة خجل على وجهها وتقول بصوت غزاوي ناعم يا شيخ سالم الله يخليك والله غمرتني بكرمك أنا ما كنت بتخيل إنه في حد ممكن يحبني هيك وأنا بهالحال بس خايفة أكون حمل عليك سالم قاطعها وهو بيبوس إيدها وقال والله إنك تاج راسي وما عاش اللي يشوفك حمل يا فاتنة قلبي


​في اللحظة دي دخلت منة أم سالم وهي شايلة صناديق كتير وبخبث مصري وشقاوة قالت جرى إيه يا عريس ما كفاية نحنه بقى خلينا نشوف الشغل ورانا رص لبس وهدوم وفاطمة لازم تنقي قمصان الدخلة واللانجري اللي يطير البرج اللي فاضل من عقلك يا واد يا سالم منة فتحت الصناديق ورمت قمصان نوم دانتيل وحرير وألوان نارية قدامهم سالم أول ما وقعت عينه على اللانجري والشفاف حس بنار ولعت في جسمه كله وتخيل ملامح فاطمة وجسمها وهي لابسة هالقطع يبلع ريقه بصعوبة وبص لأمه اللي كانت واقفة بتضحك وفاكرة إنه هيخجل قدام البنات والخدم اللي واقفين بس سالم شيخ قبيلة وما يعرف الخجل في حقه وحلاله قرب سالم من فاطمة وبدأ يمسك قميص أحمر ناري من الدانتيل الشفاف ويحسس إيد فاطمة عليه وهو يهمس بصوت مبحوح من الهوس البدوي شوفي يا فاطمة هذا حرير أحمر مثل لون جمر قلبي وفتحاته من الجوانب ومن الصدر تخلي العقل يغيب وهذا التاني أسود شفاف يبرز بياض جسمك اللي مثل الثلج والله يا فاطمة لو لبستيه ما أظن سالم راح يطلع من هالدار سنة كاملة


​فاطمة وشها صار جمرة نار وضربته بخفة في كتفه وهي بتقول بكسوف غزاوي يا ويلي عليك يا شيخ سالم بطل وقاحة الله يستر عليك والناس واقفة شو هالحكي هاد والله خجلتني ومنة انصدمت من جراءة ابنها ووقاحته وراحت بسرعة حطت إيدها على بقه وهي بتضحك وبتقول يا لهوي على قلة حياك يا واد يا سالم أنت نسيت نفسك ولا إيه ده أنا قلت هتتكسر وتعمل فيها الشاب الخجول أتاريك طالع لأبوك عصام المجنون في قلة أدبه معلش يا بطة يا فاطمة استحملي الجنان اللي وراثة في العيلة دي سالم ضحك ضحكة رجولية وهز راسه وهو لسه عينه على فاطمة اللي بتمسح وشها من الخجل ونطق والله يا يمه الحلال ما فيه خجل وهذي مراتي وحلالي وأبيها تعرف وش اللي يهيض قلبي


​ودخل في اللحظة دي الشيخ عصام بهيبته وعصايته وسمع آخر كلمة ونطق بصوت جهوري مريح علامك يا منة ليش تجيبين في سيرتي بالسوء وشو عاملك عصام اللي صار له سنين ميت في دباديبك ومجنون فيكي وما يشوف غيرك عصام قرب من منة ومسك إيدها قدامهم وقال بلهجة بدوية فيها عتاب عاشق تعالي معاي أبيك بموضوع مهم وضروري لأنك بقيتي تهمليني وتشغلين حالك بزفاف ابنك وأنا والله إني أهم من ابنك ومن العرس كله أنتي نسيتي إنك ملكي لحالي ومنة ضحكت بدلع مصري وقالت يا سيدي على الغيرة اللي على كبر ماشي يا عصام يا مجنون ورا المتمرد لما نشوف أخرتها معاكم وانسحب الشيخ عصام وهو ساحب منة معاه وسالم فضل مع فاطمة ورجع يهمس لها وهو بيختار لها قطعة تالتة أكثر جرأة وقال بعشق بدوي طاغي الليلة يا فاطمة راح تكونين ملكة على عرش قلبي وما راح يلمحك غيري طول العمر وفاطمة ضحكت من قلبها وهي حاسة بأمان ما حسته من يوم ما طلعت من غزة ونبض قلبها يقول إن سالم هو العوض والوطن اللي ماله حدود 

1 تعليقات

نموذج الاتصال