الجواهرجى - الفصل الأول



الجواهرجى


الفصل ١


الليل في حي الصاغة العريق ملوش مثيل الحارة ضيقة والبيوت القديمة شاهدة على تاريخ طويل من تجارة الذهب والماس والمحلات مرصوصة جنب بعضها والنور طالع منها يجهر العين بس وسط كل الزحمة واللمعان ده كان فيه محل واحد واقف زي القلعة الكبيرة محل سيف الجواهرجي بيبان زجاجية ضخمة وإضاءة بتخلي أطقم الألماظ والذهب المعروضة تبرق وتخطف قلوب الزباين اللي واقفين يتفرجوا من بره بهيبة واحترام جوه المحل في المكتب الفخم الواسع كان واقف سيف الجواهرجي قدام مراية طولية مبروزة بماء الذهب سيف راجل عنده خمسة وأربعين سنة بس اللي يشوفه يديله تلاتين من كتر ما هو محافظ على نفسه وبيهتم بصحته جسمه عريض ورياضي وطوله مهيب يخلي أي حد يقف قدامه يحس بالصغر ملامح وشه حادة وعينيه سودا وواسعة زي الصقر وشعره الأسود نبتت فيه خصلات شيب على الجوانب زودته وقار وجاذبية تخلي القلوب تدق سيف كان واقف بكل هدوء يظبط ساعة إيده السويسرية الغالية المصنوعة من الذهب الأبيض والبلاتين حركاته كلها رزانة وثقة سيف مش مجرد تاجر دهب بيكسب فلوس وخلاص ده هو كبير المنطقة كلها كلمته سيف على رقبة الصغير والكبير في السوق ومحدش يجرؤ يكسر له كلمة أو يرفض له طلب لو حصلت مشكلة بين أكبر تجار الصاغة يروحوا لحد عنده وهو بكلمة واحدة ينهي الخلاف والكل يرضى ويبوس إيده بعد ما خلص ظبط ساعته وبص لنفسه بصه أخيرة رتب ياقة قميصه الأسود المفصل عليه بالملي ولبس جاكيت البدلة الفخم وخرج من المكتب رجالة المحل والشغالين وقفوا كلهم انتباه أول ما شافوا طوله خارج والكل بدأ يمسك إيده ويسلم عليه باحترام شديد وهو بيرد عليهم بابتسامة رجولية هادية وصوت أجش قوي وقالهم همتكم يا رجالة قفلوا المحل كويس وعينكم على الخزن الحارس بره واعي والكل قاله في صوت واحد في عنينا يا كبيرنا سيف ركب عربيته المرسيدس السودا الفخمة اللي أحدث موديل والسواق بتاعه طلع بيه في شوارع القاهرة لحد ما وصل لقصر الجواهرجي القصر اللي سيف بناه وتعب فيه وشقى سنين طويلة عشان يجمع فيه عيلته كلها ويخليهم عايشين في عز ملوش أول من آخر القصر من بره كان تحفة معمارية سور عالي وجنينة واسعة منورة وأول ما سيف دخل من الباب الشغالين جريوا عليه ياخدوا منه الجاكيت والشنطة وهو داخل بخطواته الثابتة اللي بتهز الأرض أول ما خطى عتبة صالة الاستقبال الكبيرة لقى عياله أنس وأسماء قاعدين والزعل والندية باينين على وشوشهم وبيتخانقوا بصوت عالي أنس ابنه الكبير عنده أربعة وعشرين سنة ومتجوز بنت عمه نيرمين الحرباية كان واقف يزعق ويقول لأخته أنا اللي هغير عربيتي الأول السنة دي عربيتك لسه جديدة ومفيهاش الهوا أسماء بنته عندها عشرين سنة ومتجوزة ابن عمتها ردت عليه بغل وقالت ومين قال إن عربيتي مش محتاجة تغيير أنا جوزي بيمشي بيها والكل في النادي بيبصوا لنا إزاي وبعدين إحنا كمان ورانا رحلة الجونة الأسبوع الجاي ومحتاجين مصاريف تليق بأسماء الجواهرجي نيرمين مراته أنس دخلت في الخط وقالت بصوت كله لؤم وسخرية طبعاً يا حبيبتي خدي اللي أنتِ عايزاه هو إحنا بنصرف من جيبنا ما الفلوس مغرقة القصر والخير كتير سيف وقف في مدخل الصالة وحط إيديه في جيوبه وبص لهم بنظرة باردة خلت الصوت يقطع فجأة والكل سكت وكتم نفسه أنس اتعدل بسرعة وقال أهلاً يا بابا حمد الله على سلامتك سيف مردش عليه ومشي بخطوات بطيئة وراح قعد على الكرسي الكبير بتاعه اللي في صدر الصالة وبص لهم وقال بصوت هادي بس يرعب الصوت ده مش عايز أسمعه في بيتي تاني طول ما أنا عايش الخناق على الفلوس والعربيات ده ملوش مكان هنا والكل وطى رأسه في الأرض من الخوف في الوقت ده دخلوا إخوات سيف وعمات العيال والكل بدأ يتجمع عشان العشا السفرة الكبيرة كانت مليانة بأفخم أنواع الأكل واللحوم والكل قعد والضحك والهزار بدأ يملأ المكان إخواته بياكلوا ويبتسموا وأولاده وجوز بنته ومراته ابنه شغالين كلام عن اللبس والرحلات والمظاهر والكل عمال يهزر ويضحك وسيف قاعد وسط اللمة دي كلها ووسط عيلته اللي من دمه ولحمه بس حاسس بغربة ووحدة قاتلة تنهش في ضلوعه قلبه كان حزين وعينيه بتلف على الوشوش وشوش كلها باصة لـ جيبه وبس محدش فيهم فكر يقرب منه ويسأله يا سيف أنت عامل إيه في شغلك ومحلاتك محدش قاله يومك مشي إزاي يا أبويا الكل بيفكر هياخد منه كام وهيطلب إيه الصبح سيف حس بغصة مريرة في حلقه وافتكر مراته الله يرحمها اللي ماتت من أربع سنين وسابت وراها فراغ كبير محدش عرف يملأه أبداً مراته دي كانت الروح اللي بتسمع دقات قلبه من غير ما يتكلم كانت الوحيدة اللي بتبص في عينيه وتعرف هو تعبان ولا شايل هموم الدنيا فوق كتافه من يوم ما ماتت وسيف عايش في القصر ده زي الغريب قاعد على رأس السفرة والكل حواليه بس هو لوحده وسطهم حاسس إن الحيطان الفخمة دي بتضيق عليه وإن العز والفلوس والذهب والماس اللي بيمتلكهم ميسووش أي حاجة قصاد لحظة حنان واحدة تريح باله وتطفي النار الساكنة في صدره سيف ساب الشوكة والسكينة من إيده وقام وقف فجأة والكل بص له باستغراب أخوه الكبير قال له جرى إيه يا سيف يا خويا أنت مكلتش حاجة واصل سيف بص له بابتسامة باهتة وقال الحمد لله شبعت كملوا أكلكم أنتم وأنا طالع الجناح بتاعي أرتاح شوية من تعب الصاغة أنس قال له طب يا بابا بخصوص الشيك بتاع رحلتنا سيف مدهوش فرصة يكمل وبص له بصه خلت الكلمة تقف في زوره وقال له الصبح في المكتب يا أنس مش وقته ودلوقتي سيف لف ضهره وطلع السلم بهيبته الطويلة وطول ما هو طالع كان حاسس بتقل في قلبه كأنه شايل جبال الصاغة فوق ضهره دخل الجناح الكبير وقفل الباب وراه ورمى نفسه على السرير في الضلمة وبص للسقف وهو بيتنهد بوجع وحس إن القصر الفخم ده رغم كبره ولمة العيلة فيه م هو إلا سجن كبير وهو جواه وحيد ومستني الروح اللي تخرجه للنور وتخليه يعيش بجد


تاني يوم الشمس كانت حامية في عز الظهر فوق حارة الصاغة والزحمة مالي المكان كالعادة وصوت دق الشواكيش على المعادن وتداخل أصوات البياعين والزبائن عامل حالة من الدوشة اللي متعود عليها كل ابن منطقة فجأة وسط كل ده اتقلبت الدوشة لصريخ وزعيق وخناقة كبيرة ولمة من الناس بدأت تكبر ثانية ورا ثانية الصوت كان عالي وخارج من حتة قريبة جداً من محلات سيف الجواهرجي جوه المحل الفخم سيف كان قاعد على مكتبه الأبنوس بيعاين طقم ألماظ حر ونادر والنضارة المكبرة على عينه أول ما سمع هرج ومرج بره وصوت الشتيمة بدأ يعلى قلع النضارة بهدوء وحطها على المكتب وقام وقف بطوله المهيب اللي يقطع النفس سحب عصايته الأبنوس اللي راسها من الفضة الخالصة وخرج من باب المحل بخطوات زي دبات العساكر تزلزل الأرض أول ما خطى عتبة المحل لقى شابين ماسكين في خناق بعض وواحد فيهم هدومه متبهدلة ووشه عرقان والتاني لابس نضيف وفارد عضلاته والناس عمالة تحجز وسيف مدهمش فرصة يكملوا ورفع عصايته وضرب بيها الأرض بقوة هدت المكان وصوت الخبطة رج في جدران المحلات وحواري الصاغة كلها وقال بصوت زي الرعد يهز الحيطان بسسسسس إيه هتموتوا بعض مالكمش كبير ولا إيه الحارة كلها سكتت وكتمت نفسها حتى العصافير كأنها طارت من الخوف والشاب اللي هدومه متبهدلة رجع لورا وهو بينهج وبص لسيف بهيبة واحترام وقال يا باشا أنا شغال بمسح قزاز المحلات راجل أرزقي على باب الله بلقط لقمة عيشي بالحلال مسحت قزاز المحل بتاعه تلات مرات وكل مرة يقولي مش حلو امسحه تاني وفي الآخر يقولي أنت مسحك زي القرف ونظافتك زبالة قولت له خلاص يا ابن الناس هات أجرتي ومش هجيلك تاني ومسحي وحش مش عاجبك متتعاملش معايا قام شتمني بأمي وما رضاش يديني أجرتي وتف في وشي ينفع يا باشا يرضيك الظلم ده أنا سيبك من الفلوس تولع الفلوس وتغور بس ليه يشتمني بأمي أمي دي ست غلبانة ومريضة وملهاش ذنب في الدنيا تتهان عشان لقمة عيشي لأ أمي يا باشا خط أحمر ومقبلش حد يجي عليها سيف دار عينه الحادة زي الصقر وبص للشاب التاني اللي كان واقف يبص في الأرض وخايف من نظرة الجواهرجي سيف قرب منه خطوتين وعصايته في إيده وسأله بصوت غليظ وكله قوة الكلام ده حصل ياض الشاب وطى رأسه من الرعب وقال يا باشا هو ممسحش كويس وأنا كنت متضايق من الشغل ومقصدش سيف مقاطعه بقوة وحكمة اتأسف له ومش هو وبس لأ هتروح دلوقتي حالا تجيب أمه في قلب المنطقة هنا وتتأسف لها وتبوس على إيديها ورجليها كمان عشان أنت غلطت في حق ست ملهاش ذنب الرجولة بكلمة حسنة ومعاملة طيبة مع الضعيف مش بشتيمة بالأم والافتراء على خلق الله أنت ترضى إن حد يشتمك بأمك الشاب نزل رأسه في الأرض والخزي مالي وشه وقال لأ يا باشا سيف زعق فيه بصوت قوي هز الحارة يبقي اللي مترضهوش على نفسك متبلوش على غيرك والضعيف ده وراه ربنا وقبل ربنا فيه سيف الجواهرجي ياخد له حقه في السوق ده روح هات أمه هنا يالا الشاب طلع يجري زي الفار من قدام سيف عشان ينفذ الأمر والناس كلها واقفة تتفرج ومعجبة بعدل سيف وحكمته اللي مبيظلمش عنده حد في دوانق معدودة رجع الشاب ومعاه أمه ست عجوزة وطيبة وشكلها شقيانة وباين على وشها الطيبة والكسرة أول ما وصلت سيف أشار للشاب اللي غلط ويالا قرب منها وسط الناس والمنطقة كلها الشاب قرب بخجل وانحنى قدام الست العجوزة وقال أنا آسف يا أمي حقك عليا وغلطت في حقك ومسح إيده في توبها وباس على إيدها ورأسها قدام الكل سيف ابتسم بوقار وقرب من الست العجوزة بكل حنية وتواضع وقال بصوته الرجولي الحنين حقك علينا يا أمي معلش اعتبريه زي ابنك وغلط والمسامح كريم الست دمعت وقالت كتر خيرك يا حاج سيف ربنا ينصرك ويعليك كمان وكمان سيف التفت للشاب الأرزقي الغلبان وبص له وقال وأنت يا بني ابني اسمك إيه قال له مصطفى يا باشا سيف قال له ابق تعالي لي بكرة الصبح تبدأ شغل عندي في محلاتي تمسح قزاز محلات سيف الجواهرجي وم تلفش على محلات تاني وتتبهدل وتاخد قرشك بعزة نفس وأهو خد دي أجرتك مني وطلع رزمة فلوس وحطها في إيد الشاب الغلبان وقال يالا خد والدتك وهات عشا حلو كده وروحوا انبسطوا وبكرة الصبح بدري أشوفك في المحل مفهوم الشاب دمع من الفرحة وباس إيد سيف وقال مفهوم يا كبيرنا ربنا يخليك لينا ومنحرمش من عدلك أبداً في اللحظة دي وعلى بعد كام متر وسط زحمة السوق كانت واقفة شهد شهد الحديدي الفاتنة اللي جمالها يخطف العين رغم توبها البسيط والحزن اللي ساكن عينيها كانت نازلة تشتري طلبات وحاجات للبيت وقفت مسمرة مكانها من أول ما الخناقة بدأت وعينيها مش مفارقة سيف الجواهرجي كانت بتراقب كل حركة وكل كلمة بتطلع من بقه شافت هيبته وطوله اللي زي الجبل وشافت إزاي بكلمة منه الحارة كلها خافت بس اللي لمس قلبها بجد وهز كيانها من جوه هو عدله ورحمته بالضعيف ونصرته للشاب الغلبان شهد في سرها كانت بتقارن بين رجولة سيف وحمايته للناس وبين العذاب والذل والضرب اللي شافته مع جوزها الله يرحمه اللي كان بيستقوى عليها ويذلها شهد ابتسمت لأول مرة من قلبها وحست براحة غريبة و فخر إن الراجل ده عايش في الدنيا وإن فيه لسه خير وعدل بالمنظر ده دقات قلبها بدأت تزيد وهي بتبص لملامحه الرجولية الوسيمة وسكتت للحظات وهي بتدعي له في سرها إن ربنا يحميه ويديمه سند لكل مظلوم وسابت المكان ومشت وهي حاسة إن صورة سيف الجواهرجي انحفرت جوه قلبها وعقلها ومستحيل تتمحي أبداً وسيف رجع محله بهدوء وهو مش داري إن عيون الشهد كانت بتراقبه ودايبة في عدله وحكمته 


19 تعليقات

  1. الباااارت تحفففه بجد تسلم ايدك😍❤️❤️

    ردحذف
  2. الحاج سيف كان وحشني اووي😍❤️❤️❤️

    ردحذف
  3. جامد جدا يا قمر تسلم ايدك يا ميرو

    ردحذف
  4. ❤️❤️❤️❤️🔥🔥🔥🔥

    ردحذف
  5. روعه روعه روعه روعه 🩷

    ردحذف
  6. يجنن يا ميرو 💞💞

    ردحذف
  7. يجنن روعه روعه يا قلبي تسلم ايدك مبدعه

    ردحذف
  8. جمددددددان قمه الروعه والجمال ❤️

    ردحذف
  9. تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة

    ردحذف
  10. جمييل اووى تسلم ايدك

    ردحذف
  11. مواعيد نزول الروايه ياقمر

    ردحذف

نموذج الاتصال