رسالة من غزة
الفصل ١١
وفي الليل لما رجعوا لجناحهم عشان يجهزوا الشنط فاطمة دخلت الحمام وتزينت لبست قميص نوم جميل وحطت كحل عربي في عيونها وطلعت لسالم وهي بتبتسم وراحت قعدت بجنبه على السرير ولمست وشه بدلال مفرط خلى جسم سالم يولع نار من الشوق ونطقت برقة مصطنعة عشان تزيد في خديعتها ومكرها الشريف أنا اليوم كلي ليك يا شيخ سالم ومبديش نزعل من بعض تاني أبدًا أنت جوزي وسندي وعيوني اللي بشوف بيها الدنيا وسالم انحنى عليها بجنون والتهم شفايفها بشهوة وطاغية وهو مش دريان إن الحضن ده والقبلات دي هي المخدر اللي بتديهوله عشان ينام وهو مطمن وميظنش فيها السوء أبدًا وفاطمة كانت بتبادله الرومانسية بتمثيل متقن وقلبها وعقلها شغالين في حسابات الهروب الصعب من قلب الصحراء واللحظة اللي هتسيب فيها ديار البادية وترجع لأرض القطاع والشهداء
الصبح طلع وسالم جهز العربيات الكبيرة والكل كان بيتحرك بهمة ونزلوا وفاطمة لابسة عبايتها السودا ومغطية وشها وركبوا وقطعوا طريق طويل في وسط الرمل لغاية ما وصلوا لخيم البدو اللي ممدودة في حضن الجبل والكل استقبلهم بالترحاب والذبائح والقهوة العربية وسالم كان فخور جداً بمراته وهو بيفرّجها على الخيمة الملكية الكبيرة المفروشة بالسجاد الفاخر وفاطمة كانت بتبتسم بذكاء وبتراقب المساحات المفتوحة حواليها وتشوف مواعيد نوم العرب بالليل وبدأت تجمع الأوراق والفلوس اللي معاها وحطتهم في جيب سري جوة عبايتها واستنت لغاية ما نص الليل جه والهدوء ساد الخيم والكل دخل ينام وسالم نام في قمة السعادة والراحة وهو حاضنها ومطمن إن غزالته نايمة في أمان في سريره وفاطمة أول ما تأكدت إنه غرق في النوم سحبت نفسها بخفة ونزلت من السرير ببطء شديد من غير ما تطلع أي صوت وخرجت من فتحة الخيمة الخلفية وبدأت تجري وسط عتمة الليل والرمل وهي بتلتفت وراها برعب وعيونها على الممرات الصحراوية اللي بتؤدي للنفق المظلم وقالت في سرها سامحني يا سالم والله ما بقدر عيش هون وأهلي بيموتوا أنا راجعة لغزة والي يحصل يحصل والخدعة نجحت تماماً والصقر لسه نايم وفاكر إن عصفورته في حضنه والأيام الجاية هتشهد زلزال هيهز ديار البادية كلها لما يكتشف إنها طارت من وسط الخيم
سواد الليل كان مغطي الصحراء كلها والهدوء مخيم على خيم البدو وما فيش صوت غير صفير الريح اللي تداعب أطراف الخيمة الملكية الكبيرة وسالم كان غارق في نوم عميق وراقد على السرير وهو ضامم إيد فاطمة لصدوره ومطمن ومرتاح البال بعدما ظن إن غزالته استسلمت لواقعها ورضيت بنصيبها في ديار البادية وفجأة في منتصف الليل فتحت فاطمة عيونها الزيتونية وبدأت تسحب إيدها الرقيقة من بين كفوفه ببطء شديد وبحذر يقطع الأنفاس وقامت من السرير بخفة من غير ما تطلع أي صوت والتفتت وراها وبصت لوجه سالم النايم وهيبته ورجولته اللي سحرت روحها
ودموعها بدأت تنزل مثل المطر على خدودها وحست بقلبها بيتقطع من الألم لأنها بتفارق الرجال اللي صار بصرها وسندها وعوضها في الدنيا وقربت منه ببطء وانحنت وباست جبينه بكل رقة وعشق وهمست بصوت غزاوي مخنوق ومجروح من الوجع ربنا يعلم قديش بحبك وبعشقك يا شيخ سالم وبعرف إنك ما قصرت معي وكنت لي العينين اللي بشوف بيهم الدنيا بس والله ما بقدر ضل معاك بالقصور والخيم والنعيم
وأترك أهلي هناك عم بيموتوا ويموتوا تحت الردم والنار عم تأكل فيهم سامحني يا نبض قلبي بس دمي الحين بيناديني وما بملك غير إني روح ل غزة والي يصير يصير
فاطمة لمت شتات حالها بسرعة وطلعت ورقة صغيرة وقلم من جيب عبايتها السودا وكتبت كلمات سريعة ودموعها بتنزل وتمحي الحروف وحطت الرسالة على المخدة بجنب راسه ومسكت شنطتها الصغيرة اللي مجهزة فيها الفلوس والأوراق وتسللت من فتحة الخيمة الخلفية بخفة البرق وطلعت ل رمال الصحراء وعيونها شاخصة صوب الحدود والنفق المظلم اللي جابها
أول مرة وبدأت تجري في عتمة الليل والرمل بيسحب رجليها وهي بتلتفت وراها برعب وخوف من إن الصقر يصحى ويلمحها وعقلها كله مع عيلتها في غزة وفضلت تسرع في خطواتها وتصارع الخوف والظلمة لين وصلت لفتحة النفق ونزلت فيه زحف وهي بتدعي ربها يوصلها ل أرض القطاع بالسلامة وتشوف أمها وأبوها وإخوها قبل ما يفوت الأوان وتضيع الحكاية
الصبح طلع ونور الشمس تسلل لداخل الخيمة وسالم بدأ يصحى ببطء وابتسامة الشوق على وجهه ومد إيده اليمين عشان يضم فاطمة لصدوره مثل كل يوم كالعادة لكن إيده ضربت في الفراغ البارد فتح عيونه العسلي بسرعة والتفت يمين وشمال ومالقى لها أثر في السرير قام وقف بلمح البصر وصوته الجهوري زلزل أركان الخيمة وهو بينادي فاطمة يا فاطمة أنتي وين يا روحي وطلع برة الخيمة وشاف الحراس وسألهم بنبرة حادة وفيها بريق رعب الحرمة وينها ما أحد شافها الحراس نزلوا رؤوسهم وقالوا يا شيخنا ما أحد ظهر من الخيمة من ليلة البارح والكل نايم سالم رجع داخل الخيمة وجن جنونه وعيونه صارت حمراء مثل الجمر وصدره يعلى وينزل وعقله طار منه
وفجأة وقعت عيونه على المخدة ولمح الورقة الصغيرة مسكها بإيدين ترتجف لأول مرة في حياته وبدأ يقرأ الحروف المكتوبة بخط يدها ونطق بلسانه المصدوم سامحني يا نبض قلبي وروحي إني كسرت كلامك وعندك مع خوي لكن ما بقدر اترك أهلي عم يموّتوا أنا رجعت ل غزة ومضطرة أمشي بهالطريق أنا بحبك وبعشقك كتير كمان يا شيخ سالم ودير بالك على حالك
سالم أول ما خلص قراءة الرسالة حس كأن طعنة خنجر مسموم دخلت بوسط صدره وفز قلبه فزعة ما فزعها رجال في البادية وطاح من طوله على الركب وهو ماسك الرسالة ويضغط عليها بقبضته القوية وصوته طلع بصرخة هزت الجبال المحيطة بالخيم ونطق بغضب وجنون وهوس بدوي أعمى يا ويلي يا فاطمة تخدعيني وتكسري كلمتي وتلعبين بقلبي هاللعبة والله العظيم ما أخليكِ تروحين ولو كان دونها قطع رقبتي يا بنت الناس تبين تروحين للموت برجليكِ وأنا الصقر اللي هابته الرجال تخليني نايم وتطيرين من قفصي والله الحين الحين لأقلب الدنيا فوق تحت ولأجيبك من تحت الأرض يا فاطمة وما راح أخلي النفق هذا يشوف وجهك وعصام أبوه ومنة أمه دخلوا الخيمة مخضوضين على صراخه ومنة شافت الرسالة في إيده وقالت بلهجة مصرية مصدومة يامصيبتي البت هربت ورجعت ل غزة يا سالم ألحقها يا بني البت هتموت هناك سالم ما رد على أحد ولبس بشته وعقاله وسحب سلاحه وحطه في خَصره وعيونه تطاير شرار وطلع برة الخيمة ونادى في رجاله وقبيلته بأعلى صوته يا رجال فزعتكم الحين جهزوا الخيل والسيارات الكبيرة وسكروا كل منافذ الصحراء والحدود غزالتي طارت من يدي وراحت صوب النفق وبدي إياكم تقلبون الرمل حجر حجر وتجيبونها لي قبل ما تدوس أرض غزة وتضيع مني للأبد والكل تحرك في حالة استنفار وجنون وبدأت رحلة المطاردة الكبرى في قلب البادية والصقر طار يدور على صيده اللي خطف قلبه وروحه وعقله.........

❤❤❤❤
ردحذف