رسالة من غزة
الفصل ١٠
الهدوء اللي كان لافف القصر انقشع فجأة وحلت مكانه غيمة سوداء ثقيلة كتمت على الأنفاس في جناح سالم كان صوت الراديو الصغير يملأ المكان بذبذبات مشوشة وفاطمة كانت قاعدة بجنبه وحاطة إيدها على خَدها ومركّزة بكل حواسها مع نشرة الأخبار وفجأة المذيع نطق بكلمات نزلت على قلبها مثل الصاعقة وهو بيعلن عن قصف إسرائيلي عنيف
استهدف منطقة خيام النازحين في دير البلح بالظبط في المكان اللي نامت فيه عيلتها بعدما انقصف بيتهم في غزة المذيع كان بيوصف الدمار والنار اللي كلت الخيام وصوت الإسعافات والمشهد كان مرعب خلف الشاشة وفاطمة أول ما سمعت الاسم صرخت صرخة هزت جدران الجناح
وطلعت من أعماق قلبها المكسور وبدأت تعيط بهستيرية وتلطم على خدودها وجسمها كله بانتفاضة رعب وجنون وطلعت تجري في الممر وهي مش شريانة بحالها ودموعها مغرقة وشها الزيتوني اللي انخطف لونه وصارت تصرخ وتقول يما يابا أخوتي راحت عيلتي يا الله دخيلك شو صار فيهم
سالم كان طالع على الدرج وسمع صراخها اللي فطر قلبه وجرى عليها بلمح البصر ومسكها من كتافها وهي بتتلوى بين إيديه وتبكي بحرقة وتقوله بصوت غزاوي مخنوق ومكسور سالم الله يخليك فكني بدّي أرجع على غزة الحين بدّي روح عند أمي وأبوي خيامهم انقصفت يا سالم عيلتي عم بتموت هناك وأنا قاعدة بالقصور ومتهنية فكني يا شيخ سالم والله لروح زحف ل غزة ما بقدر ضل هون ثانية وحدة وأهلي تحت الردم والنار عم تأكل فيهم سالم شدها لضلوعه بقوة وتملك وعيونه مليانة خوف عليها وظل متبث فيها
وهو حاسس بوجعها العظيم ونطق بصوته البدوي الحزين والجهوري لاه يا فاطمة لاه يا روح سالم ما في رجعة ل غزة الحين الطريق كله موت ودمار وأنا ما أقدر أفرط فيكِ بعدما ربي رد لي عيونك تبيني أرميكِ في الهلاك بيدي اسمعيني زين يا بنت الأجواد وأركدي ولا تخافين والله أنا ما نسيت هلك ولا راح أنساهم أبدًا
فاطمة بدأت تضرب في صدره العريض بقبضات إيدها المرتجفة وهي بتصرخ بجنون وقهر وتقول لاه ما بدّي أركد هادول أهلي يا سالم هادول ناسي ودمي ما بقدر ضل هون وأتركهم يموتوا وأنا بتفرج عليهم بالراديو أنت شو بيعرفك بقهرنا شو بيعرفك بالوجع اللي بقلبي فكني وخليني روح أموت معهم ولا ضل عايشة بهاد العذاب سالم مسك إيدينها الثنتين وثبتهم ورا ظهرها وقرب وجهه من وجهها
وقال بنبرة بدوية حارة فيها أمر وخوف قاتل اسمعي يا فاطمة بتتذكري خيك محمد وش قال لي وش طلب مني في آخر رسالة وصلتني منه قبل ما تطلعي من النفق محمد يمهلني بيكِ وطلب مني بعهد الرجال وعز القبائل إني ما أرجعك ل غزة أبدًا و قالي أمانة برقبتك يا شيخ سالم لو نموت كلنا فاطمة تضل عندك في الحفظ والصون وما تشوف الموت اللي بنشوفه تبيني أخون عهد خيك محمد الحين تبيني أضيع أمانته لاه وتطمني يا بنت الناس لا تخافي والله أنا بعتت رجال من طرفي ل غزة هناك مخصوص عشان يشوفوا العيلة وراح نعرف أخبار زينة عن أهلك عن قريب بس أركدي واذكري الله
فاطمة لما سمعت طاري أخوها محمد وكلامه بكت بزيادة وحست بالضمير بياكل قلبها ورفعت عيونها الزيتونية المليانة قهر وسحبت إيدها من سالم بقوة وقالت بنبرة تقطر وجع وغضب وعزة نفس غزاوية اخي محمد قال هاد الكلام لأنه ما بيعرف إني راح كون عاجزة هون وعم بسمع موتهم بالراديو يا شيخ سالم أنت عم تمنعني من أهلي باسم الأمانة بس أنا ما بقدر سامح حالي لو جرالهم شي
ودخلت في خناقة قوية مع سالم وصارت تلومه وتقوله أنت قاسي وما بتحس بالنار اللي بصدري وجريت على الغرفة قفلت الباب وراها بالمفتاح وحبست نفسها في الأوضة ورفعت صوتها وهي بتقول ما بدّي شوفك ولا بدّي أحكي معك يا سالم اتركني لحالي وظلت فاطمة محبوسة جوة الأوضة ترفض الكلام مع سالم تمامًا
وكل ما يدق الباب ويحاول يكلمها بلهجته البدوية الدافئة ويرضيها ترفض ترد عليه وصارت ترفض الأكل والشرب وصواني الأكل ترجع زي ما هي ومنة وعصام برة ميتين من القلق عليها وسالم واقف عند الباب وصدره بيغلي من الضيق والهوس وخايف على عيونها وصحتها اللي ومحتار كيف يطفي النار اللي شبت في قلب غزالته الغزاوية وفضل القصر كله عايش في حالة حزن بانتظار خبر يطمن قلب فاطمة ويرجع الابتسامة لديار سالم
يومين من العياط والحبس والامتناع عن الأكل والشرب الغرفة كانت ضلمة وكئيبة وفاطمة قاعدة على طرف السرير بتفكر وعيونها الزيتونية بتلمع في الضلمة بنظرات تانية خالص غير الحزن نظرات فيها إصرار وتخطيط وقررت في سرها إنها مش هتقف تتفرج على موت أهلها وهي حابسة نفسها وهتستعمل ذكائها عشان تخرج من الحصار ده وفهمت إن العناد مع الشيخ سالم مش هيجيب نتيجة لأن البدوي إذا ركب دماغه مفيش قوة في الأرض هتغير رأيه وخاصة لو كان الموضوع فيه خوف عليها وعلى حياتها فاطمة مسحت دموعها وقامت وقفت قدام المراية ورتبت شعرها الأصفر الطويل وبدأت ترسم على وشها ابتسامة هادئة ومزيفة عشان تبدأ تنفذ خطتها وتخدع الكل بأنها استسلمت للأمر
الواقع ورضيت بنصيبها عشان تخليهم يطمنوا ويرخوا حذرهم وتقدر تلاقي فرصة وتهرب وترجع لغزة سراً ومن غير ما حد يحس بيها خالص وفكرت إن أحسن طريقة عشان تبعد عن حراسة القصر المشددة وتكون قريبة من خطوط الصحراء والطرق المفتوحة هي إنها تطلب تروح معاه لخيم البدو في عمق البادية هناك حيث المساحات الواسعة والفرصة الأكبر للتحرك من غير ما تلفت النظر ليها
فتحت فاطمة باب الأوضة ببطء وطلعت للصالة وسالم أول ما سمع صوت الباب قام وقف من مكانه ولهفته عليها باينة في عيونه العسلي وكان باين عليه التعب والهم من كثر زعلها وفاطمة قربت منه بخطوات هادية ونزلت راسها في الأرض وقالت بصوت ناعم ومكسور أنا أسفة يا شيخ سالم على الكلام اللي قلته في وقت غضبي وعلى الخناقة اللي حصلت بينا أنت عندك حق وأنا فكرت في كلامك ول
قيت إن خي محمد كان خايف عليا ووصيتك أمانة غالية وميصحش إني أهدم كل اللي عملته عشاني وتعبك في العملية وربنا كاتب لكل واحد عمره ومكانه وأنا خلاص هستسلم للواقع وهقعد هنا وأدعي لهم بالسلامة وبس وعشان ننسى الزعل ده كله ونغير جو الكآبة اللي في القصر أنا كان نفسي أطلب منك طلب صغير يا روحي أنا حابة أخرج معاك ونروح نقضي كام يوم في خيم البدو في عمق الصحراء نفسي أشوف الحياة اللي عشتها وأشم هوا البادية الحقيقي ونقعد تحت النجوم بعيد عن الحيطان والبيوت
وسالم لما سمع كلامها ونبرتها الهادية وطلبها المفاجئ قلبه دق بفرحة عارمة ومصدقش إن غزالته الغزاوية رجعت لعقلها وكمان بتطلب تروح معاه لخيم قبيلته وقرب منها بسرعة وضمها لضلوعه بقوة وتملك وباس راسها وهمس في ودنها لك كفو يا بنت الأجواد ريحتِ قلبي اللي كان هيوقف من الهم ومن عيوني الثنتين يا روح سالم باكر الصبح نطلع للخيم وأخدك لديار ربعي وتعيشي في وسط البادية زي ما تمنيتِ والله العظيم إنك غالية وعيلتك عيلتي وأخبارهم الزينة هتوصلك قريب بس أهم حاجة عندي صحتك وعيونك اللي نورت دنيتي وفاطمة كانت في حضنه بتطبطب على ظهره بس عيونها كانت بتبص على الفراغ وبتخطط للخطوة الجاية ....

❤❤❤❤❤
ردحذف